محمد متولي الشعراوي
1203
تفسير الشعراوي
ولا يستطيع أحد أن يحتاط لها . وأما حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فهذه هي الأمر الظاهر . كأن اللّه سبحانه وتعالى يجرد على المرابين تجريدة هائلة من جنوده التي لا يعلمها إلا هو ، وحرب رسول اللّه جنودها هم المؤمنون برسوله ، وعليهم أن يكونوا حربا على كل ظاهرة من ظواهر الفساد في الكون ؛ ليطهروا حياتهم من دنس الربا . وهكذا وضع اللّه نهاية لأسلوب التعامل ، حتى يتطهر المال من ذلك الربا ، فإذا قال الحق : « فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ » فمعنى هذا أنه سبحانه يبين لنا بهذا القول أنه لا حق للمرابين في ضعف ولا ضعفين ، ولا في أضعاف مضاعفة . وحينئذ « لا تَظْلِمُونَ » من رابيتم ، بأن تأخذوا منهم زائدا عن رأس المال . ولكن ما موقع « وَلا تُظْلَمُونَ » ، ومن الذي يظلمهم ؟ قد يظلمهم الضعيف الذي ظلم لهم سابقا ، ويأخذ منهم بعض رأس المال بدعوى أنهم طالما استغلوه فأخذوا منه قدرا زائدا على رأس المال . إن المشرع يريد أن يمنع الظالم السابق فينهى ظلمه ، وأن يسعف المظلوم اللاحق فيعطيه حقه ، وهو سبحانه لا يريد أن يوجه ظلما ليستغل به من ظلم فيظلم الذي ظلمه أولا ، بل سبحانه يشاء بهذا الحكم أن ينهى هذا النوع من الظلم على إطلاقه ، وأن يجعل الجميع على قدر سواء في الانتفاع بمزايا الحكم . وكثير من النظريات التي تأتى لتقلب نظاما في مجتمع ما تعمد إلى الطائفة التي ظلمت ، فلا تكتفى بأن تكفها عن الظلم ، ولكن تمكن للمظلوم أن يظلم من ظلمه ، وذلك هو الإجحاف في المجتمع ، وهذا ما يجب أن يتنبه إليه الناس جيدا ؛ لأن اللّه الذي أنصفك أيها المظلوم من ظالمك ، فمنع ظلمه لك ، هنا يجب أن تحترم حكمه حينما قال : « فَلَهُ ما سَلَفَ » وبهذا القول انتهت القضية . ويستأنف سبحانه الأمر بعدالة جديدة تجمعك وتجمعه على قدم المساواة بدون ظلم منك أيها المظلوم سابقا بحجة أنه طالما ظلمك . والمجتمعات حين تسير على هذا النظام « لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ » إنما تسير على نمط معتدل لا على ظلم موجه .